الدكتور بركات لـ "مصر الآن ":الاقتصاد المصري أمام اختبار حاسم
قال الخبير الاقتصادي الدكتور وائل بركات لـ "مصر الآن "ليست المشكلة الحقيقية في الأرقام الكبيرة حين تُذكر عن الاقتصاد المصري، بل في الطريقة التي تتحرك بها هذه الأرقام داخل جسد الاقتصاد. فحين يُقال إن مصر تواجه خلال مارس الجاري ذروة استحقاقات ديون قصيرة الأجل تُقدَّر بنحو 18 مليار دولار، فإن المواطن لا يهمه فقط حجم الرقم، بل يهمه السؤال الأعمق: هل نحن أمام خطر داهم، أم أمام اختبار صعب لكنه قابل للإدارة؟ ووفق ما نقلته تقارير سوقية حديثة استنادًا إلى تقديرات Fitch Solutions، فإن شهر مارس يمثل بالفعل نقطة ضغط مالية مهمة، لأن آجال أدوات الدين القصيرة الأجل تبلغ ذروتها خلاله، بما يفرض على الحكومة والبنك المركزي تحديًا مزدوجًا: تأمين السيولة الدولارية من جهة، والحفاظ على استقرار السوق والثقة من جهة أخرى.
وأضاف بركات غير أن القراءة الرصينة لا تبدأ من الذعر، بل من التمييز بين الاستحقاق والأزمة. غير أن القراءة الرصينة لا تبدأ من الذعر، بل من التمييز بين الاستحقاق والأزمة. فاستحقاقات الدين لا تعني بالضرورة خروج المبلغ كاملًا من البلاد دفعة واحدة.
ذلك لأن جزءًا معتبرًا من الدين قد تعيد الدولة تدويره عبر تجديد استثمارات قائمة أو إعادة تمويل المبلغ بإصدارات جديدة.
وقال تستطيع الحكومة تغطية جزء من هذه الاستحقاقات عبر قروض ومساندات خارجية أو من موارد النقد الأجنبي التي تتحسن تدريجيًا.
لذلك فإن الرقم، على ثقله، لا يعني أن مصر تقف على حافة اختناق مالي. لكنه يشير إلى أن شهر مارس ليس شهرًا عاديًا في الحسابات النقدية والمالية، وقد يؤثر في حركة الدولار داخل السوق.
وإذا أردنا فهم الصورة بإنصاف، فعلينا أن ننظر إلى الجانبين معًا: جانب الضغط، وجانب القدرة على الامتصاص. عوإذا أردنا فهم الصورة بإنصاف، فعلينا أن ننظر إلى جانبيها معًا: جانب الضغط وجانب القدرة على الامتصاص. فما زال الاقتصاد المصري يتحرك في بيئة خارجية غير مريحة.
وأشار إلى أنه قد تعرضت إيرادات قناة السويس، وهي أحد أهم مصادر العملة الصعبة، لهزة كبيرة خلال الفترة الماضية بسبب اضطرابات البحر الأحمر.
وتكشف بيانات البنك المركزي، التي نقلتها وكالة رويترز، عن تراجع في إيرادات قناة السويس خلال الأشهر التسعة حتى مارس 2025. فقد انخفضت الإيرادات إلى نحو 2.6 مليار دولار بعد أن كانت 5.8 مليار دولار قبل عام.
ومع ذلك، عوضت السياحة والتحويلات جزءًا من هذا التراجع..
لكن في المقابل، ليس صحيحًا أن الدولة تدخل هذا الاستحقاق بلا أدوات دفاع. لكن في المقابل، ليس صحيحًا أن الدولة تدخل هذا الاستحقاق بلا أدوات دفاع. فقد أعلن صندوق النقد الدولي في 25 فبراير 2026 إتمام المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج مصر.
ويتيح ذلك تمويلًا جديدًا يقارب 2 مليار دولار ضمن البرنامج الأساسي، إضافة إلى 273 مليون دولار من تسهيل الصلابة والاستدامة.
وبذلك ترتفع إجمالي المدفوعات التي حصلت عليها مصر تحت البرنامجين إلى نحو 5.2 مليار دولار.
كما حوّل الاتحاد الأوروبي بالفعل إلى مصر شريحة بقيمة مليار يورو في يناير 2026 ضمن حزمة دعم أوسع.
وقال صحيح أن هذه الأموال لا تحل المشكلة جذريًا، لكنها تمنح صانع القرار متنفسًا مهمًا في توقيت حساس.. كما أن الاتحاد الأوروبي حوّل بالفعل إلى مصر شريحة بقيمة مليار يورو في يناير 2026 ضمن حزمة دعم أوسع. هذه الأموال لا تحل المشكلة جذريًا، لكنها تمنح صانع القرار متنفسًا مهمًا في توقيت حساس.
الاحتياطي النقدي وصافي الأصول الأجنبية
وفوق ذلك، صعد الاحتياطي النقدي لمصر إلى 52.745 مليار دولار بنهاية فبراير 2026، وفق بيانات البنك المركزي المصري. ويمنح هذا المستوى الدولة مساحة دفاعية أفضل بكثير مما كانت عليه في ذروات الضغط السابقة.
كما أظهرت بيانات حديثة نقلتها وكالة رويترز أن صافي الأصول الأجنبية في القطاع المصرفي قفز إلى مستوى قياسي بلغ 29.5 مليار دولار في يناير 2026.
وجاء هذا التحسن مدعومًا بارتفاع تحويلات المصريين في الخارج إلى 41.5 مليار دولار خلال عام 2025.
وأضاف أن هذه المؤشرات لا ينبغي تجاهلها، لأنها تعني أن الاقتصاد لا يواجه الاستحقاقات من موقع الضعف، بل من موقع يمتلك قدرًا من الأدوات النقدية حتى لو ظلت الضغوط كبيرة.
مخاطر الاعتماد على الديون قصيرة الأجل
ومع ذلك، فإن جوهر القلق لا يكمن فقط في قدرة مصر على السداد. بل يرتبط أيضًا بتكلفة الاستمرار في نموذج التمويل قصير الأجل.
فعندما يعتمد الاقتصاد على أدوات دين قصيرة الأجل، يصبح أكثر حساسية لتقلبات شهية المستثمرين الأجانب. كما يزداد تعرضه لأي توتر جيوسياسي أو مالي عالمي.
وتشير البيانات المتاحة إلى أن الدين الخارجي قصير الأجل لمصر بلغ 34.8 مليار دولار في سبتمبر 2025، بعد أن كان 30.9 مليار دولار في يونيو من العام نفسه.
في المقابل، بلغ إجمالي الدين الخارجي نحو 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو 2025.
هذه الأرقام لا تعني انهيارًا وشيكًا، لكنها تؤكد أن هيكل الدين يحتاج إلى تحسين مستمر. والهدف هو إطالة آجال الاستحقاق وخفض تكلفة التمويل.
استحقاقات 18 مليار دولار.. اختبار ثقة للأسواق في الاقتصاد المصري
ومن هنا يجب فهم مسألة “18 مليار دولار” في سياقها الصحيح. . فإذا نجحت الحكومة في تجديد جزء مهم من هذه الالتزامات، أو استبدالها بتمويل أطول أجلًا، أو عبورها عبر مواردها المتاحة دون اضطراب حاد في سوق الصرف، فإن مارس سيمر بوصفه شهر ضغط صعب لا أكثر. أما إذا تزامن هذا الاستحقاق مع خروج حاد للأموال الساخنة، أو تباطؤ في التدفقات المنتظرة، أو ارتفاع جديد في فاتورة المخاطر الإقليمية، فسيصبح العبء أثقل على الجنيه، وعلى أسعار الفائدة، وعلى كلفة المعيشة في النهاية.
تأثير الضغوط الدولارية على الأسعار في مصر
وهنا نصل إلى النقطة التي تهم المواطن مباشرة: ماذا يعني ذلك للأسعار والدولار؟ أي ضغط على الدولار يبدأ في البنوك، ثم ارتفاع سعر الدولار يدفع المستوردين إلى رفع تكلفة الاستيراد، فتنتقل الزيادة إلى أسعار السلع قبل أن تصل إلى حياة المواطنين . لكن الصورة ليست أحادية الاتجاه كما كانت في سنوات سابقة؛ فمصر دخلت 2026 ومعها تحسن في الاحتياطي، وعودة أقوى للتحويلات، ودعم من صندوق النقد، وتمويل أوروبي، فضلًا عن توقعات أفضل للنمو وتراجع التضخم وفق تقديرات حديثة تناولتها تقارير اقتصادية. لذلك فإن احتمال حدوث اضطراب قائم، لكنه ليس قدرًا محتومًا، بل مرتبط بمدى نجاح الإدارة الاقتصادية في العبور من تمويل قصير الأجل إلى تمويل أكثر استقرارًا وأقل تكلفة.
وقال نحن أمام اختبار ثقيل بالفعل، لكنه ليس اختبارًا بلا أدوات. الاقتصاد المصري اليوم أقوى في جانب السيولة الخارجية مما كان عليه قبل عامين، لكنه لا يزال هشًا نسبيًا أمام الصدمات، لأن تحسنه الحالي يعتمد جزئيًا على تدفقات خارجية وتمويلات واتفاقات يجب الحفاظ على استدامتها. والمعركة الحقيقية ليست فقط في سداد مارس، بل في أن يتحول مارس من شهر خوف إلى درس اقتصادي واضح: الدول لا تُرهَق فقط بحجم الدين، بل بطريقة هيكلته، وبنوعية الأموال التي تدخلها، وبقدرتها على تحويل التمويل المؤقت إلى قوة إنتاج دائمة. وإذا نجحت مصر في ذلك، فإن هذا الاستحقاق سيكون محطة عبور صعبة. أما إذا بقي الاعتماد على الديون القصيرة والأموال السريعة هو القاعدة، فإن كل شهر مارس جديد سيعود بصورة أشد قسوة من الذي قبله.



